سيد محمد طنطاوي

12

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

أما سورة الأنعام فإنها لم تعرض لهدف من الأهداف الأصلية التي تميزت بها السور الأربع المدنية قبلها . فهي أولا : لم تعرض لشيء من الأحكام التنظيمية لجماعة المسلمين ، كالصوم والحج في العبادات ، والعقوبات في الجنايات ، والمداينة والربا في الأموال ، وأحكام الأسرة في الأحوال الشخصية . وهي ثانيا : لم تذكر في قليل ولا كثير شيئا يتعلق بالقتال ومحاربة الخارجين عن دعوة الإسلام . وهي ثالثا : لم تتحدث في شيء ما عن أهل الكتاب من اليهود والنصارى وكذلك لم تتحدث عن طوائف المنافقين ولا عن أخلاقهم السيئة ومسالكهم المظلمة . وهي رابعا : لا نجد فيها مع ذلك كله نداء واحدا للمؤمنين باعتبارهم جماعة تنتظمها وحدة الإيمان ، لا نجد فيها شيئا من هذا كله كما وجدناه جميعا في السور الأربع السابقة ، وإنما نجد الحديث فيها يدور بشدة وقوة حول العناصر الأولى للدعوة ، ونجد سلاحها في ذلك ، الحجة المتكررة ، والآيات المصرفة ، والتنويع العجيب في طرق الإلزام والإقناع : تذكر توحيد اللَّه في الخلق وفي الإيجاد ، وفي العبادة والتشريع ، وتذكر موقف المكذبين وتقص عليهم ما حاق بأمثالهم السابقين ، وتذكر شبههم في الرسالة ، وتذكر يوم البعث والجزاء . ولعلنا بعد هذا نلمس الفرق الجلى الواضح بين منهج سورة الأنعام ، ومنهج السور الأربع المدنية قبلها « « 1 » . 6 - عرض عام لسورة الأنعام : عندما نفتح كتاب اللَّه لنتدبر ما اشتملت عليه سورة الأنعام من مقاصد حكيمة ، وتوجيهات نافعة ، نراها في مطلعها قد ابتدأت بحمد اللَّه والثناء عليه وبيان استحقاقه لذلك ، لأنه - سبحانه - هو الخالق للسموات والأرض وما بينهما ، وهو العليم الذي لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء . قال تعالى : الْحَمْدُ لِلَّه الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأَرْضَ وجَعَلَ الظُّلُماتِ والنُّورَ ، ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضى أَجَلًا ، وأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَه ، ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ وهُوَ اللَّه فِي السَّماواتِ وفِي الأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وجَهْرَكُمْ ويَعْلَمُ ما تَكْسِبُونَ .

--> ( 1 ) تفسير القرآن الكريم ص 362 وما بعدها . لفضيلة الشيخ محمود شلتوت طبعه دار القلم .